السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
314
مختصر الميزان في تفسير القرآن
الامتحان ، والسياق يدل على أن الاستفهام في قوله : « أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا » للتهكم والاستهزاء ، ومعلوم أنهم لا يسخرون إلا ممن يستحقرون أمره ويستهينون موقعه من المجتمع ، ولم يكن ذلك إلا لفقرهم ومسكنتهم وانحطاط قدرهم عند الأقوياء والكبرياء منهم . فاللّه سبحانه يخبر نبيه أن هذا التفاوت والاختلاف إنما هو محنة إلهية يمتحن بها الناس ليميز به الكافرين من الشاكرين ، فيقول أهل الكفران والاستكبار في الفقراء المؤمنين : أهؤلاء الذين منّ اللّه عليهم من بيننا فإن السنن الاجتماعية عند الناس توصف بما عند المستن بها من الشرافة والخسة ، وكذا العمل يوزن بما لعامله من الوزن الاجتماعي فالطريقة المسلوكة عند الفقراء والأذلّاء والعبيد يستذلها الأغنياء والأعزة ، والعمل الذي أتى به مسكين أو الكلام الذي تكلم به عبد أو أسير مستذلا لا يعتني به أولو الطول والقوة . فانتحال الفقراء والاجراء والعبيد بالدين ، واعتناء النبي بهم وتقريبه إياهم من نفسه كالدليل عند الطغاة المستكبرين من أهل الاجتماع على هو ان أمر الدين وأنه دون أن يلتفت إليه من يعتني بأمره من الشرفاء والأعزة . وقوله تعالى : أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ جواب عن استهزائهم المبني على الاستبعاد ، بقولهم : « أهؤلاء الذين منّ اللّه عليهم من بيننا » ومحصله أن هؤلاء شاكرون للّه دونهم ولذلك قدّم هؤلاء لمنّه وأخرهم فكنى سبحانه عن ذلك بأن اللّه أعلم بالشاكرين لنعمته أي إنهم شاكرون ، ومن المسلم أن المنعم إنما يمنّ وينعم على من يشكر نعمته وقد سمى اللّه تعالى توحيده ونفي الشريك عنه شكرا في قوله حكاية يوسف عليه السّلام : ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ( يوسف / 38 ) . فالآية تبين أنهم بجهالتهم يبنون الكرامة والعزة على التقدم في زخارف الدنيا من مال وبنين وجاه ، ولا قدر لها عند اللّه ولا كرامة ، وإنما الأمر يدور مدار صفة الشكر والنعمة